فخر الدين الرازي
105
تفسير الرازي
إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً ، وذلك هو الخسران الشديد . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في ارتفاع قوله : * ( مثل الذين ) * وجوه : الأول : قال سيبويه : التقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم ، وقوله : * ( كرماد ) * جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم فقيل : أعمالهم كرماد . الثاني : قال الفراء : التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه وهو قوله : * ( أعمالهم ) * ومثله قوله تعالى : * ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) * ( السجدة : 7 ) أي خلق كل شيء ، وكذا قوله : * ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) * ( الزمر : 60 ) المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . الثالث : أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد ، كقولك صفة زيد عرضه مصون ، وماله مبذول . الرابع : أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله : * ( مثل الذين كفروا ) * والتقدير : مثل أعمالهم وقوله : * ( كرماد ) * هو الخبر . الخامس : أن يكون المثل صلة وتقديره : الذين كفروا أعمالهم . المسألة الثانية : اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال ، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر ، فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر ، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه : الوجه الأول : أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع ، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم ، ولولا كفرهم لانتفعوا بها . والوجه الثاني : أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيماناً وطريقاً إلى الخلاص ، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالاً عليهم . والوجه الثالث : أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين ، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت ، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضاً وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى : * ( وذلك هو الضلال البعيد ) * . المسألة الثالثة : قرىء الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم ، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك : يوم ماطر وليلة ساكرة ، وإنما السكور لريحها قال الفراء : وإن شئت قلت